الشيخ محمد علي الأنصاري
533
الموسوعة الفقهية الميسرة
يقتضي مسبّبا واحدا ، يأتي دور الكلام عن أنّه : هل يكفي إتيان مسبّب واحد بدل المسبّبات المتعدّدة ؟ فإذا قال : « إذا أجنبت فاغتسل » و « إذا مسست ميّتا فاغتسل » فأجنب ومسّ ميّتا ، وقلنا بأنّ كلّا من الجنابة ومسّ الميّت سبب مستقلّ لوجوب الغسل ، وإذا اجتمعا وجب غسلان ، فهل يكفي عندئذ غسل واحد بنيّة الجنابة ومسّ الميّت ليكفي عنهما ؟ المعروف بين الأصوليين القائلين بعدم تداخل الأسباب هو القول بعدم تداخل المسبّبات أيضا ، لأنّ كلّ شرط يقتضي جزاء ، وكلّ سبب يقتضي مسبّبا ، فلا وجه لكفاية مسبّب واحد عن سببين أو أكثر إلّا في موردين . الأوّل - أن يدلّ دليل على الاكتفاء ، كتصريح الآمر بذلك ولو بدليل مستقل ، كما تقدّم بالنسبة إلى الغسل ، حيث ورد التصريح بكفاية غسل واحد عن عدّة أغسال . الثاني - إذا كان بين القضيّتين نسبة العموم من وجه ، كما لو قال : « إذا جاءك اليوم فقير فأعطه دينارا » ، وقال : « إذا جاءك اليوم ابن سبيل فأعطه دينارا » ، فالمجمع بين العنوانين وهو « ابن السبيل الفقير » ، قابل لانطباق كلّ من العنوانين : ابن السبيل والفقير عليه ، فلذلك لو أعطى المكلّف هذا الشخص دينارا ، صدق أنّه امتثل الأمرين ، لأنّه لا يعتبر في تحقّق الامتثال عقلا إلّا الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر ، وقد حصل « 1 » . الأصل العملي في المسألتين المقصود من الأصل في البحث المتقدّم هو القاعدة ، فعندما يقال : مقتضى الأصل هو عدم تداخل الأسباب والمسبّبات ، يعني مقتضى القاعدة ذلك . وأمّا المقصود من الأصل هنا هو الوظيفة العمليّة عند الشكّ في أنّ مقتضى الأصل الأوّلي - أي القاعدة - هو التداخل في الأسباب والمسبّبات أو عدمه ، فلذلك يأتي دور البحث عن هذا بعد البحث عن مقتضى الأصل الأوّلي . والأصل العملي الجاري في الأسباب يختلف عن الجاري في المسبّبات . أمّا الأصل الجاري في الأسباب فهو البراءة وعدم ثبوت التكليف الزائد ، لأنّ مردّ الشك في عدم تداخل الأسباب هو الشك في ثبوت التكليف الزائد على الواحد المتيقّن ، والأصل عدمه . وبعبارة أخرى : بناء على عدم التداخل تتعدّد التكاليف بتعدّد الشروط ، وأمّا بناء على
--> ( 1 ) انظر : أجود التقريرات 1 : 432 - 433 ، ونهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 490 - 493 ، والمحاضرات 5 : 124 ، وبحوث في علم الأصول 3 : 198 .